محمد سعيد رمضان البوطي
352
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
إلى الروم . ولما وصل أسامة بجيشه إلى بلاد الروم حيث قتل أبوه ، قاتلوهم ، ونصرهم اللّه عليهم ، ثم عادوا ظافرين « 2 » . ثانيا - جهّز الجيوش لقتال أهل الرّدة ومانعي الزكاة ، وعقد أحد عشر لواء ، وأمر صاحب كل لواء بالتوجه إلى جهة ، وتوجه هو على رأس لواء إلى ( ذي القصة ) . ولكن عليا رضي اللّه عنه أصرّ عليه وناشده أن يرجع ، وقال له - وقد أمسك بزمام راحلته - : يا خليفة رسول اللّه أقول لك ما قال رسول اللّه يوم أحد : لمّ سيفك وأمتعنا بنفسك . فو اللّه لئن نكب المسلمون بك لن تقوم لهم قائمة من بعدك . فعاد أبو بكر وكلّف باللواء غيره « 3 » . وقد أيّد اللّه المسلمين وانقطع دابر الارتداد ، واستقر الإسلام في أنحاء الجزيرة ، وخضعت القبائل لدفع الزكاة . ثالثا - جهّز الصدّيق رضي اللّه عنه خالدا إلى العراق ، وبعث معه المثنى بن حارثة الشيباني ، ففتحوا بلادا كثيرة ، وعادوا منتصرين غانمين . رابعا - حدثته نفسه بغزو بلاد الروم ، فجمع الصحابة وشاورهم في ذلك ، فاستصوبوا رأيه فالتفت إلى عليّ وقال له : ما ترى يا أبا الحسن ؟ فقال أرى أنك مبارك الأمر مفوق منصور إن شاء اللّه ، فسرّ لذلك أبو بكر وشرح اللّه صدره للأمر . فجمع الناس وقام خطيبا فيهم يحثّهم على الجهاد ، وكتب كتبا إلى الولاة وأمرهم بالحضور ، فاجتمع جمع كبير وأقبلت القبائل أفواجا ، فعقد أبو بكر الألوية وأمّر الأمراء وبعثهم إلى الشام متتابعين ، وجعل أبا عبيدة أميرا على الجيوش ، وكلما اتجه أمير يودعه ويوصيه بتقوى اللّه وحسن الصحبة والمواظبة على الصلوات بالجماعة في أوقاتها ، وأن يصلح كل منهم نفسه حتى يصلح اللّه له الناس ، وأن يكرموا رسل العدوّ إذا قدموا عليهم ، وأن يعملوا على تقليل لبثهم عندهم حتى يخرجوا من عسكرهم وهم جاهلون بأمر المسلمين . . وتوجه المسلمون إلى بلاد الروم . . واجتمعوا في اليرموك ، وأرسلوا إلى أبي بكر يخبرونه بكثافة جموع الروم ، فكتب رضي اللّه عنه إلى خالد بن الوليد بالعراق يأمره بالتوجه إلى الشام ، وأن يأخذ نصف الجيش المرابط في العراق ليكون ردءا لجيش أبي عبيدة ، وأن يستخلف على النصف الباقي المثنى بن حارثة ، وأمره أن يتولّى جيوش الشام بمجرد أن يصل إليها . فسار خالد حتى وصل إلى المسلمين في الشام ، وكتب كتابا لأبي عبيدة يقول له فيه : أما بعد ، فإني أسأل اللّه لي ولك الأمن يوم الخوف ، والعصمة في دار الدنيا من كل سوء . فقد أتاني كتاب خليفة رسول اللّه يأمرني فيه بالمسير إلى الشام وبالقيام على جندها والتولي لأمرها . وو اللّه
--> ( 2 ) باختصار عن البداية والنهاية : 6 / 304 وما بعد . ( 3 ) رواه ابن كثير في البداية والنهاية ، من حديث عبد اللّه بن عمر ومن حديث عائشة رضي اللّه عنها .